الشيخ محمد الصادقي الطهراني
126
تاريخ الفكر والحضارة
الحضارة الحديثة : لم تستطع الحضارة الحديثة أن تضع حياتا إنسانية انما حيوانية في أغلبها ، وإنسانية أحيانا لأنها وليدة أبوين سماوي وأرضي ، فمن حيث الولادة السماوية ورثت تركة ضخمة غنية ، فنمتها في بعض جوانبها ، ولكنها من حيث الولادة الأرضية أضعفتها في جوانب أخرى غدت ضامرة هزيلة . انها من ناحية فتحت للعقل الأبواب وفسحت المجال واسعا وأكملت في الجانب المادي . . لقد استطاعت ان تسمو كثيرا في الارتفاع فأوجدت نبغاء عظاما في الفكر أو بعض نواحيه على الأقل . . ولكن نقص الحضارة الحديثة يبدو في أمور : انها حضّرت وجندت كافة طاقاتها في النواحي المادية ، وتركت المثل العليا الإنسانية ، فلا ايمان ولا أخلاق ولا عطوفة ولا رعاية لحق الا مضيّقة ، فترى الحق في مجتمع معين كالانكليزي يضمن إلى حد كبير ثم نجد الانكليزي نفسه ينتهك هذا الحق ولا يقره في مجتمع آخر يعتبره دونه ، فلا يزال الظلم والغصب والقتل قانونا سائدا بين الشعوب ، كذلك وأحيانا في داخل بعض الشعوب التي تمثل أرقى ما وصلت إليه الحضارة الحديثة من الوجهة المادية كالامريكاني ، إذ لا تسوي بين حقوق الأبيض والأسود وهما يعيشان في بلد واحد وتحت رعاية حكومة واحدة ، وحتى الآن لا يستطيع الشاب الأسود أن يدخل الجامعة الا على رقابة البوليس . أجل ، ولأنّها أخذت الجانب المادي فقط ، واعتبرت الإنسان مكينة لا تهدف الا الانتاج المادي فحسب ، ولذلك لم تستطع أن تزيد من حساسية الضمير البشري حتى يغضب للحق ويثور على الظلم ويغار على انتهاك الحرمات ، لم تستطع أن تقوي فية عاطفة الايثار والرحمة والفداء والتحرر والاخلاص . . فلئن كانت قد حررته إلى حد كبير من سلطان الطبيعة فإنها لم تستطع أن تحرره من نفسه رغم أنه أحرى ما يتصور من الحريات العاقلة ، انها أخفقت في هذا الميدان أيمُّا اخفاق ، فعبدت المادة والشهوة فقط فأصبحت حيوانا كاملا في الحيونة ، و